السيد محمد حسين فضل الله
50
من وحي القرآن
الرزق من عند الله اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إنها سنة اللَّه في الكون ، فقد أودع فيه سبحانه قوانين وسننا ، تحكم حياة الإنسان وتوجه مسيرته ، وتوفر بالتالي لفريق من الناس ، سعة الرزق من حيث ظروف العمل ، أو طبيعة الموقع في إمكانات القدرة ووسائل الإنتاج ، في حين تضيق تلك الأسباب بفريق آخر منهم ، فيضيق رزقهم تبعا للظروف والأجواء والمواقع والإمكانات والوسائل . ذلك أن للرزق أسبابه ، في حركة الإنسان ، وفي ظروفه المحيطة به ، تبعا لقانون السببية الذي يحكم الكون ، بناء على التخطيط الإلهي ، مما يجعل من نسبة التوسعة والتضييق إلى اللَّه نسبة حقيقية ، لسيطرته المطلقة على الظروف والقوانين والضوابط التي تحكم الحياة . وقد لا ينافي ذلك اختيارية بعض الظروف التي يصنعها الإنسان بحركته السلبية أو الإيجابية ، لأن عملية الاختيار هذه ، تتحرك ضمن الدائرة الكونية التي تحكمها سنن اللَّه وتديرها مشيئته ، ككل الأشياء الخاضعة للتقدير الإلهي بشكل عام ، ولكنها تتضمن هامشا من الحرية يسمح للإنسان بالحركة في النطاق الخاص ، بحيث يبقى رزق الإنسان في حدود التقدير الإلهي ، فلا يزيد أو ينقص عما قدره اللَّه في حركة الأسباب والمسببات ، مما يفرض عليه أن يواجه سعة الرزق وضيقه ، بطريقة متوازنة ، لا مجال فيها للفرح بمفاجأة غير منتظرة ، لأن الشيء الذي يحصل ، بحصول سببه ، لا بد منه أن يكون حالة طبيعية في واقع الإنسان ، تماما كما هو الحال في طلوع النهار أو قدوم الربيع ، ولكن الناس يغفلون هذه الحقيقة ، ويرون أن جهدهم - وحده - بعيدا عن حركة السنن الكونية ، هو الأساس في عملية الربح والزيادة ، من دون أن يكون للتقدير الإلهي دخل في ذلك كله . وهذا ما يحدثنا عنه اللَّه تعالى في قوله : وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا ، واستسلموا لها واستغرقوا